قيادة مُمكِّنة من أجل مستقبل سعودي إبداعي
قيادة المشهد: القدرات التنفيذية لصناع الافلام
يشهد القطاع الإبداعي والإعلامي في المملكة العربية السعودية تحولات متسارعة، مدفوعة برؤية 2030، ونمو المواهب الشابة، والتطور التقني، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي. في هذا السياق، لم يعد كافيًا أن يكون القائد مديرًا جيدًا للمهام، بل أصبح مطلوبًا منه أن يكون قائدًا مُمكِّنًا يصنع بيئة تُطلق طاقات الأفراد وتحوّل الإبداع إلى أثر حقيقي.
هذه الفكرة كانت جوهر ورشة العمل المقدمة من “هيئة الأفلام” حول القيادة المُمكِّنة لمستقبل سعودي إبداعي، والتي ركزت على ثلاثة محاور رئيسية: التحول من الإدارة إلى القيادة، قيادة الجيل الجديد، والتعامل الذكي مع الذكاء الاصطناعي في القطاع الإعلامي والإبداعي.
أولًا: التحول من إدارة المهام إلى قيادة الناس
هناك فرق جوهري بين المدير والقائد.
المدير يخطط وينظم ويركز على العمليات والضبط وحل المشكلات داخل الأنظمة القائمة. أما القائد، فيضع الرؤية، ويلهم الآخرين، ويطوّرهم، ويتحدى الوضع القائم، ويبني الثقة والتأثير. ومع نمو المشاريع الإبداعية، تصبح القيادة – وليس الإدارة فقط – عنصرًا حاسمًا للنجاح.
في الصناعات الإبداعية تحديدًا، لا يبحث الأفراد عن “رئيس” يوجّههم بالأوامر، بل عن مرشد يساعدهم على التفكير واتخاذ القرار. لذلك يبرز التحول من أسلوب “الرئيس” إلى أسلوب “المدرب”.
المدرب الجيد يستمع، ويطرح أسئلة، ويطوّر قدرات الفريق بدل أن يقدّم الحلول الجاهزة. هذا الأسلوب يعزز الإحساس بالمسؤولية، ويشجع الإبداع، ويقلل اعتماد الفريق الكامل على المؤسس أو المدير.
الحل الأفضل هو نموذج GROW في القيادة
استخدم نموذج GROW كأداة عملية للمحادثات القيادية والتطويرية، ويتكوّن من أربع مراحل:
- الهدف (Goal): ماذا نريد أن نحقق؟
- الواقع (Reality): أين نحن الآن؟
- الخيارات (Options): ما البدائل المتاحة؟
- الإرادة/الخطوة التالية (Will): ما الإجراء الذي سنقوم به ومتى؟
يساعد هذا النموذج القائد على طرح أسئلة مفتوحة، وبناء حس المسؤولية لدى الموظف، وتجنب الوقوع في دور “حلّال المشكلات” الدائم أو المدير المتدخل في التفاصيل الدقيقة.
ثانيًا: قيادة الجيل الجديد من المواهب السعودية
المملكة مجتمع شاب، حيث يبلغ المتوسط العمري قرابة 29 عامًا، ونسبة كبيرة من السكان دون 35 عامًا. هذا الواقع ينعكس مباشرة على سوق العمل، وخاصة في القطاعات الإعلامية والإبداعية.
جيل الشباب (خاصة جيل Z) يتميز بعدة خصائص:
- نشأ في بيئة رقمية بالكامل
- منفتح على العالم لكنه متمسك بقيمه المحلية
- يبحث عن معنى وهدف في العمل
- يفضل التعاون على الهرمية الصارمة
- يتوقع نموًا سريعًا وتغذية راجعة مستمرة
هذه الخصائص تفرض على القادة أسلوبًا مختلفًا في الإدارة. من أهم الممارسات الفعالة:
- أن يكون القائد مرشدًا، لا مجرد مدير.
- منح الاستقلالية مع توفير الدعم.
- إتاحة الفرصة للتجربة والتعلم من الخطأ.
- تقديم تغذية راجعة بشكل دوري، وليس مرة في السنة.
- توضيح الغاية من العمل وربطه بالأثر الوطني ورؤية 2030.
- احترام أفكار الشباب وإشراكهم في صناعة القرار.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي في القطاع الإعلامي والإبداعي
الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا مستقبليًا، بل واقعًا يؤثر في طريقة الإنتاج الإعلامي، وإدارة الفرق، وفهم الجمهور. من أبرز الفرص التي يتيحها:
- تحسين تجربة الجمهور عبر التخصيص
- تحليلات متقدمة لسلوك المشاهدين والمحتوى
- رفع الكفاءة وخفض التكاليف من خلال أتمتة المهام المتكررة
من التقنيات الداعمة: التعرف الآلي على الكلام، تحويل النص إلى صوت، النماذج اللغوية الكبيرة، الرؤية الحاسوبية، والترجمة الآلية. هذه الأدوات تُستخدم في التفريغ النصي، الترجمة، الدبلجة، الوصف الصوتي، وغيرها من تطبيقات الإنتاج الإعلامي.
لكن التحدي الحقيقي للقادة ليس تقنيًا فقط، بل قيادي:
كيف ندمج الذكاء الاصطناعي دون أن نفقد البعد الإنساني؟ وكيف نعيد توزيع الأدوار بحيث يتفرغ البشر للمهام الإبداعية عالية القيمة؟
الخلاصة
المستقبل الإبداعي في السعودية يحتاج إلى نوع جديد من القادة:
- قادة يصنعون الرؤية لا الجداول فقط
- يطوّرون الناس بدل الاكتفاء بإدارة المهام
- يفهمون الجيل الجديد ويمنحونه مساحة للتعبير
- يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كأداة تمكين لا كتهديد
القيادة المُمكِّنة ليست أسلوبًا إداريًا فحسب، بل ثقافة عمل تُحوّل المؤسسات الإبداعية إلى بيئات حية تُنتج أفكارًا، وتبني مواهب، وتصنع أثرًا مستدامًا في المشهد الثقافي والإعلامي السعودي.