من الصحفي إلى صانع المحتوى: ماذا تخبرنا تجربة الغارديان عن مستقبل المهنة؟
في التاسع والعشرين من سبتمبر 2026 نشرت مجلة Press Gazette خبرًا يبدو للوهلة الأولى إداريًا بحتًا: صحيفة الغارديان البريطانية تستحدث أربعين وظيفة جديدة ضمن برنامج تسميه «Digital Journalist Scheme». لكن قراءة التفاصيل تكشف أننا أمام إشارة واضحة إلى اتجاه تسير فيه المؤسسات الصحفية الكبرى: إعادة تأهيل الصحفي ليصبح قادرًا على إنتاج المحتوى بكل أشكاله، لا الكتابة وحدها.
ماذا أعلنت الغارديان؟
بحسب ما نشرته Press Gazette، يتضمن البرنامج أربعين وظيفة بعقود محددة المدة تمتد ثمانية عشر شهرًا، موجهة إلى صحفيين يملكون خبرة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات. ويُخصَّص ما لا يقل عن عشرين في المئة من وقت المنتسبين للتدريب، على أن يحصلوا في نهايته على مؤهل تدريبي معتمد في صناعة المحتوى. ويغطي البرنامج الصوت والفيديو والتصوير والكتابة والتفاعل مع الجمهور، ويأتي ضمن توجه أوسع للصحيفة نحو أن تكون «أكثر بصرية ورقمية وعالمية وتجريبية»، بما في ذلك إطلاق Guardian Studios وبرامج فيديو جديدة.
اللافت هنا ليس عدد الوظائف، بل فلسفة القرار: مؤسسة صحفية عريقة لا تبحث عن «صانع محتوى جاهز» من خارج المهنة، بل تستثمر في صحفيين حقيقيين وتمنحهم وقتًا مدفوعًا للتعلم. أي إنها تراهن على أن الأصل هو المنهجية الصحفية، وأن الأدوات يمكن اكتسابها.
لماذا يحدث هذا الآن؟
الجمهور لم يعد يأتي إلى الصحيفة، بل أصبحت الصحيفة هي التي تذهب إليه حيث هو: في المقاطع القصيرة، وفي البث المباشر، وفي البودكاست الذي يرافقه أثناء القيادة أو العمل. والمنصات نفسها تدفع في هذا الاتجاه؛ فقد أعلنت يوتيوب لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الأول من أكتوبر 2026، بحسب Communicate Online، عن أدوات جديدة لصناع المحتوى، منها توسيع برنامج يربط العلامات التجارية بصناع المحتوى ليشمل عشرين دولة بينها السعودية والإمارات، إضافة إلى تقنيات للكشف عن انتحال الشكل والصوت، وتجربة للدبلجة الفورية في البث المباشر.
وفي منطقتنا أيضًا نرى المؤسسات الصحفية تتجه إلى الصيغ الجديدة؛ فقد أطلق رئيس تحرير صحيفة عرب نيوز بودكاستًا حواريًا مطوّلًا بعنوان «Arab Views»، بحسب ما نشره Communicate Online في الثاني من أكتوبر 2026. هذه التحركات مجتمعة تقول شيئًا واحدًا: الوسيلة لم تعد قيدًا على الصحفي، والسؤال صار: هل يملك الصحفي المهارة ليكون حاضرًا في كل وسيلة؟
ما الذي يتغير فعلًا في مهنة الصحفي؟
أرى أن التغير الجوهري يقع في ثلاث مساحات:
- اللغة: الصحفي اليوم يكتب للعين وللأذن معًا. الجملة التي تصلح للمقال قد لا تصلح لمقطع مدته ستون ثانية، والقصة التي تُروى في تقرير مكتوب تحتاج إلى بناء مختلف حين تتحول إلى فيديو.
- العلاقة مع الجمهور: التفاعل لم يعد ملحقًا بعد النشر، بل جزءًا من العمل نفسه. فهم التعليقات والأسئلة وقياس الأداء صار من أدوات تطوير المحتوى.
- الإنتاج: الصحفي لم يعد ينتظر فريقًا كاملًا ليخرج بمادة مرئية. الأدوات أصبحت أبسط وأقرب، لكن جودة الفكرة والإعداد ما زالت هي الفارق.
ما الذي يجب ألا يتغير؟
هنا جوهر المسألة في رأيي. الخطر ليس في أن يتعلم الصحفي أدوات صانع المحتوى، بل في أن يترك معاييره خلفه وهو ينتقل إلى المنصات الجديدة. التحقق من المعلومة، والإنصاف، والفصل بين الخبر والرأي، واحترام الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية؛ هذه ليست قواعد خاصة بالورق، بل هي ما يمنح الصحفي قيمته في سوق مزدحم بالمحتوى. ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهّل إنتاج الصورة والصوت، تزداد قيمة من يستطيع أن يقول للجمهور: هذا محتوى موثوق.
بعبارة أخرى، الفرق بين الصحفي وصانع المحتوى يضيق في الأدوات، لكنه يجب أن يبقى واضحًا في المنهجية.
ماذا يعني هذا لمؤسساتنا الإعلامية في السعودية والعالم العربي؟
نموذج الغارديان ليس وصفة جاهزة للنسخ، لكنه يطرح أسئلة تستحق النقاش داخل مؤسساتنا:
- هل ننظر إلى التدريب على أنه تكلفة يمكن تأجيلها، أم استثمار في استمرار المؤسسة؟
- هل نمنح الصحفيين الشباب وقتًا مخصصًا للتعلم، أم نطلب منهم إتقان المهارات الجديدة في أوقات فراغهم؟
- هل تجمع برامجنا التدريبية بين المهارة التقنية وأخلاقيات المهنة، أم تركز على الأدوات وحدها؟
- كيف نبني جسورًا بين المؤسسات الصحفية وصناع المحتوى المستقلين، بحيث يستفيد كل طرف من نقاط قوة الآخر؟
والسوق السعودية تحديدًا تملك عناصر تجعل هذا النقاش ملحًا: جمهور شاب ونشط رقميًا، ومنصات عالمية تتوسع في برامجها الموجهة لصناع المحتوى في المملكة، وبيئة تنظيمية تتطور لتواكب الإعلام الرقمي. المؤسسة التي تؤهل صحفييها اليوم ستكون أقدر على المنافسة غدًا.
وماذا عن الإعلامي الفرد؟
لا ينبغي أن ينتظر الإعلامي مؤسسته لتطلق برنامجًا تدريبيًا. يمكنه أن يبدأ بخطوات عملية: أن يختار وسيلة واحدة جديدة يتقنها خلال الأشهر المقبلة، وأن يتعلم أساسيات التصوير والمونتاج على الهاتف، وأن يتابع أداء ما ينشره ويتعلم منه، وأن يحافظ في كل ذلك على المعايير التي تعلمها في غرفة الأخبار.
خلاصة
ما فعلته الغارديان ليس مجرد إعلان وظائف، بل اعتراف مؤسسي بأن مهنة الصحافة تعيد تعريف أدواتها. والتحدي أمامنا في العالم العربي ليس أن نلحق بالتقنية، فهي متاحة للجميع، بل أن نصنع جيلًا من الإعلاميين يتقن الأدوات الجديدة دون أن يتخلى عن جوهر المهنة: الصدق، والدقة، والمسؤولية تجاه الجمهور.
المصادر: Press Gazette — Communicate Online (يوتيوب) — Communicate Online (Arab Views)